المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : السلوك إلى الله ( سلسلة )


الشـيـخـي
06-16-2007, 09:15 AM
الحمد لله الكريم الوهاب جزيل الثواب المعطي بغير حساب . الذي نادى الأحباب إلى ساحات الاقتراب . و هيج أشواقهم إلى ذاك الجناب .

أستمد العون منه جل و علا و أستمطر رحمته سائلا إياه السداد و التوفيق و الإخلاص و الإذن في بسط هذه السلسلة التي تروم تقريب العباد من بارئها و دلالتهم على مسلك الإقبال على الله و ذواق لذيذ عذب الشعور بالأنس برب الخلائق كلها .

أطمع في أن أجعل هذه الصفحة متجددة كل يوم بفقرة تواصل رسم طريق السلوك إلى الله و تشحذ الهمم و تثبت القلوب بإذن بارئها سبحانه . و آمل أن أجعل لكل فقرة عنوانا فرعيا يكون لبنة في هذا البناء .

( 1 ) : مقدمات و إرهاصات .

ينادي الحق سبحانه في كل ليلة من السحر : هل من سائل هل من مستغفر هل من تائب هل من ذي حاجة فأنيله المطالب ؟ و ينادي في كل نفس من الأنفاس . و عطاياه للصادقين ممنوحة و إحساناته للمتعرضين مسموحة . خلقنا لنربح عليه لا ليربح علينا . فيا فوز من تشوق إلى حضرته و سلك سبيل أهل مودته .

نشهد أنه الله الذي لا إله إلا هو و حده لا شريك له شهادة ينفتح بها للقلوب باب الإقبال عليه و تثبت بها الأقدام على حسن الأدب بين يديه . و نشهد أن سيدنا محمدا عبده و رسوله و حبيبه و صفيه و خليله جعله الله بابا للوصول إليه و علما للدلالة عليه . فلا سبيل للوصول إلى المحبوبية عند الخالق إلا بوضع القدم على قدم الاتباع لحضرته " قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ..."

فما معنى الإقبال على الله ؟ و طلب القرب الخاص لدى الله ؟

إنه مطلب أعرض عنه أكثر الخلق في زماننا . و انشغلوا بما لا شاغل فيه و لا طائل لديه . أخذتهم بهارج الحياة و زخارفها فأعرضت بهم عن حقائق الحسنى و الزيادة .
يرضى المؤمن و ترضى المؤمنة أن تمر عليه السنة و الثانية و ...و العاشرة و لم يجد أحد منهما وقفة صدق يتفقد فيها حاله مع مرور الأيام و الليالي .
فإذا كانت الأيام و الليالي تمر سدى لا زيادة لنا فيها في معاني الإقبال على الله و لا نعرف فيها حقيقة التشوق إلى الله و لا نتخذها سلما للارتقاء إلى سبيل المصافاة فما قيمة هذه الحياة ؟

أقيمة الحياة طعام و شراب ؟ أقيمة الحياة لباس و ثياب ؟ أقيمة الحياة أموال و ذهب مآلها إلى الذهاب ؟ أقيمة الحياة منزلة عند الخلق يوشك أن تشاب ؟ أقيمة الحياة أن يرضى الإنسان الذي خلقه ربه جل جلاله له سبحانه أن ينحط من مرتبة يعيش فيها لربه و هي أرقى الرتب إلى مرتبة يعيش فيها لنفسه و لهواه و للدنيا . يعيش فيها للنلس ! إنه الهوان بعينه أن يصرف الله قلب العبد عن طلب القرب منه سبحانه .

( 2 ) : طلب القرب

بعث الله الرسل نوابا عن حضرته لينبهونا إلى هذا المطلب . ليكون للواحد منا اعتناء بأمر سيره إلى ربه جل جلاله .
إن اليوم و الليلة الذين يمران عليك فيهما خزائن من جود الله لا تعد و لا تحصى . لا يقف واقف على ما أودع الله فيهما . بل لو اتسع المدرك عند أحدنا لوجد أن النفس الذي يمر عليه فيه من خزائن جود الله ما لا يتصور و لا يحاط به و لا يحد . لأنه جل جلاله سمى نفسه المعطي و سمى نفسه الوهاب و سمى نفسه المنان و سمى نفسه الكريم و سمى نفسه الرزاق و سمى نفسه العفو و سمى نفسه ... و هذه الأسماء هي نعوت و أوصاف للرب الأعلى جل جلاله . و لم يقمها الله تعالى عبثا . أوصاف الله و أسماؤه قديمة أزلية دائمة سرمدية . و معنى قديمة و أبدية أنه لا أول لابتدائها و لا نهاية لها . معنى هذا أنه ما من وقت يمر و لا زمان إلا و المعطي يعطي و الوهاب يهب و المنان يتمنن و الكريم يتكرم و الرزاق يرزق و العفو يعفو و ... فإذا كان كل نفس من أنفاسك يمر عليك ربك فيه يعطي و يهب و يتمنن و يتكرم و يرزق و يعفو فما نصيبك أنت من هذا كله ؟ كيف ترضى أن تمر عليك الأنفاس و أنت محروم من هذه العطاءات و الأفضال ؟
إذا تأملت هذا المعنى أدركت أن أمرا من أجله خلق الله السماوات و الأرض بطولهن و العرض و من أجله أرسل الرسل و من أجله سخر لنا هذا الوجود و من أجله سمانا خلفاء في الأرض و من أجله هيأنا لمعاني العبودية لا شك أنه أمر عظيم جلل ينبغي أن تكون له منزلة في نفوسنا لا نغفل عنه .

هذا الأمر ينبغي على أساسه أن يحصل تفكر و اعتبار و تهيء لطلب القرب من الملك العزيز الغفار الذي إذا تقرب إليه العبد أقبل الله عليه .

فما معنى تقربنا إلى الله ؟ ( يكون الحديث فيه أن شاء الله في الفقرة الموالية )

( 3 ) : معنى تقربنا إلى الله

إن التقرب إلى الله الذي ننسبه إلينا بأننا اجتهدنا أو أقبلنا أو رغبنا أو طلبنا إنما هو مجاز لا حقيقة أي أن صورة الإقبال منا حقيقتها الإقبال منه جل جلاله . هل يستطيع الإنسان أن يقبل على الله دون أن يكون الله قد أقبل عليه ؟ لا و عزته ! الملوك لا يدخل إلى قصورهم إلا بإذنهم . و ملك الملوك جل جلاله لا يستطيع قلب في الوجود أن يطلب القرب منه أو أن يسعى إليه إلا إذا أراده هو سبحانه .

و معنى هذا الكلام أن المؤمن إذا وجد من قلبه إرادة قرب من الله و وجد من نفسه همة سير إلى الله و وجد من كلياته استجابة في سعيه إلى الله فهي بشارة له بإن الله قد أراده و أن الله قد دعاه إليه . فالذي أذن لك أن تفتح مثل هذه الصفحة لتقف على مثل هذا الكلام هو الله جل جلاله.

كم من واحد قرأ العنوان فلم يلج الصفحة ؟ كم من واحد صرف عن مواطن هذا الخير في صفحة من الصفحات أو مجلس من المجالس أو درس من الدروس ...؟
فمن الذي أقبل بك و من الذي صرف الآخرين ؟ إنه الله جل جلاله .
و نحن الذين دعانا الله إلى مثل هذه الدروس. نحن الذين أسمعنا الله مثل هذا الكلام . نحن الذين حرك الله فينا الرغبة و الهمة . هل نستحق هذا ؟ هل عندنا استحقاق به يعاملنا الله ؟ لا و عزته و جلاله ! لو عاملنا الله بأصغر ذنب من ذنوبنا لخسف بنا الأرض ! لما أبقى فينا بقية . لو أزاح ستره عن معايبنا و عن مخاذلنا فوعزته و جلاله ما سلم علينا أحد من الناس . لو قابلنا بما نستحق لسحب كل واحد منا سحبا . لكنه كرم الكريم و حلم الحليم و فضل ذي الفضل العظيم .
هو الذي أقبل بنا الآن لننصت فنحن الآن في هذه الساعة قد دعانا الباري جل جلاله إلى ساحته و ساق إلينا خطابا انقبل عليه و نرغب إليه .. فمعنى الإقبال على الله و طلب الوصول إلى الله أن يقذف الحق سبحانه في قلب العبد باعث الإرادة .
فما باعث الإرادة ؟ لنا وقفة معه إن شاء الله في الفقرة الموالية .

( 4 ) : باعث الإرادة :

إن باعث الإرادة هو أن يقذف الحق جل و علا في قلب عبده رغبة في الإقبال عليه . أن يقذف في القلب شوقا إليه و احتراقا في طلب القرب منه و خوفا منه سبحانه . أن يقذف في القلب تفكرا يجعل الإنسان يتأمل في حال نفسه مع الله . يقول : خلقني الله من العدم و تكرم علي بصنوف الجود و الكرم ثم بعد ذلك أسأت المعاملة معه و غفلت عن المقصد الذي من أجله ميزني و سخر لي هذا الوجود . ثم بعد ذلك نسيت أني في هذه الدنيا عابر سبيل يوشك أن أنادى و يناديني منادي الارتحال . و أني لا أعلم متى سيكون هذا النداء . و أن هذا النداء إذا جاء لا أملك أن أتأخر عن إجابته. و أن ملك الموت عليه السلام إذا تجلى لي و قال لي : بحثت لك في مشارق الأرض و مغاربها عن نفس فلم أجد لك . فيقبض روحي قبل أن أتنفس لا محالة ..و معنى قبض روحي انتهاء الفرصة التي كانت لي في هذه الحياة . فلو أن أهل القبور أمضوا أوقاتهم جميعها في العبادة و التوجه و طلب تطهير البواطن و الإقبال على الله لما قبل منهم . لأن الفرصة التي خلقوا من أجلها و لها هي هذه الحياة .
من تأمل هذا المعنى و عرف أن ثمرة الإقبال على الله هو أن يقبل الله على المؤمن و معنى أن يقبل الله عليك لا يستطيع اللسان العاجز أن يحيط به أو أن يعبر عنه . ساعة يقبل فيه ملك الملوك على قلب المؤمن ..أي سعادة و أي أمان و أي راحة أو لذة أو أنس أو فرح أو سرور أو مزية يمكن أن تتخلف و قد أقبل الله جل جلاله ؟ إذا كان الله قد أقبل عليك فأي شيء يمكن أن يتخلف و قد أقبل خالقه جل جلاله ؟
إن الذي يفقه هذا المعنى يطلب ما عند الله و السير إلى الله . و هذا الطلب الذي يحصل في القلب و الرغبة يسميه أهل علم السلوك و تطهير البواطن : الباعث .
فالباعث هو خاطر يخطر في قلب الإنسان يزعجه و يقلقه . يقول له : إلى متى و الأيام تمر و أنت نائم ؟ إلى متى و أنت تعيش في هذه الدنيل غافلا و الفرصة تناديك أن كل نفس من أنفاسك هو نقص من عمرك و قرب انتهاء الفرصة ؟
هذا العتاب و هذا الخطاب الذي ينبعث في قلب الإنسان فيخاطب به نفسه ليحركها إلى الله تعالى و يشوقها إلى الله و يرغبها في الإقبال على الله و يشعرها بالندم على ما فات و على ما ضاع في حق القرب من الله تعالى و يذكرها و يهزها بمعاني الموت الذي سيقبل عليها و ما بعده . هذا التذكر يسمى باعثا لأنه ينبعث أولا في الإنسان من الله تعالى و لأنه ثانيا يبعث أي يحرك الإنسان في "طلب الإقبال على الله جل جلاله .

تقبلوا تحياتي
م ن ق الشيخي و و ل

العـ707ـدواني
06-16-2007, 03:43 PM
مشكور اخوي على الموضوع الأكثر من رائع وهذا مو غريب عليك يالشيخي

ميما اللئيمة
06-16-2007, 05:33 PM
مشكور يا الشيخي
تسلم